ابن الجوزي
34
بستان الواعظين ورياض السامعين
فمثل لنفسك يا مغرور وقد ترادفت عليك الهموم والكروب ، وأحاطت بك الأهوال والخطوب ، وأظهرت لك القبائح والعيوب ، وأثقلت ظهرك الأوزار والذنوب وأنشدوا : قد سوّدت وجهي المعاصي * وأثقلت ظهري الذنوب أورثني ذكرها سقاما * فليس لي في الورى طبيب يا شؤم نفسي غداة حشري * إذا أحاطت بي الكروب وصوت داع دعا باسمي * أين مفري وما أجيب ؟ هذا كتاب الذنوب فأقرأ * فعندها تظهر العيوب ذكر أن العبد إذا خرج من قبره وجد عمله السوء حزمة وملك من ملائكة العذاب واقف عليها ، فإذا نظر إلى ما قدم في أيامه قال له الملك : يا عدو اللّه خذ عملك فاحمله على ظهرك كما كنت تلتذ به في الدنيا ولم تراقب مولاك ، وقد علمت أنه مطلع عليك ويراك ، فيأخذ العبد المسكين تلك الحزمة فيجدها على ظهره أثقل من جبال الدنيا والنار تسوقه إلى الموقف وملك يسوقه سوقا حثيثا بالعنف والانتهار والإغلاظ عليه ، وآخر يشهد عليه مع علم اللّه تعالى فيه . وأنشدوا : كيف احتيالي إذا جاء الحساب غدا * وقد حشرت بأثقالي وأوزاري وقد نظرت إلى صحفي مسودة * من شؤم ذنب قديم العهد أو طاري وقد تجلى لهتك الستر خالقنا * يوم المعاد ويوم الذّلّ والعار يفوز كلّ مطيع للعزيز غدا * بدار عدن وأشجار وأنهار لهم نعيم خلود لا نفاذ له * يخلّدون بدار الواحد الباري ومن عصى في قرار النار مسكنه * لا يستريح من التعذيب في النار فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم * لا يستريح من التعذيب بدمع واكف جاري فاللّه اللّه يا أولي الألباب ، تفكروا في هول يوم الحساب ، ولا تنسوا المطالبة برد الجواب وأشفقوا على أنفسكم من أليم العذاب ، وأرجعوا إلى طاعة رب الأرباب ، وابكوا على ما سلف من ذنوبكم بانتحاب . [ 46 ] مدة النفخ في الصور ذكر أن إسرافيل عليه السلام لا يقطع النداء في الصور حتى تخرج الأرض